محمد جمال الدين القاسمي
350
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
النار يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به ؟ قال : فيقول نعم ، فيقول اللّه : قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك ! و في رواية للإمام أحمد « 1 » عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له : يا ابن آدم ! كيف وجدت منزلك ؟ فيقول : أي رب ! خير منزل ، فيقول : سل وتمنّ ، فيقول : ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات - لما يرى من فضل الشهادة - ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له : يا ابن آدم ! كيف وجدت منزلك ؟ فيقول : أي رب ! شر منزل ، فيقول له : أتفتدي منه بطلاع الأرض ذهبا ؟ فيقول : أي رب ! نعم . فيقول : كذبت ! قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل . فيردّ إلى النار . ولهذا قال أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي من منقذ من عذاب اللّه ولا مجير من أليم عقابه . لطيفة : في قوله تعالى وَلَوِ افْتَدى بِهِ قال صاحب الانتصاف : إن هذه الواو المصاحبة للشرط تستدعي شرطا آخر ، يعطف عليه الشروط المقترنة به ضرورة . والعادة في مثل ذلك أن يكون المنطوق به منبها على المسكوت عنه بطريق الأولى . مثاله : قولك أكرم زيدا ولو أساء ، فهذه الواو عطفت المذكور على محذوف تقديره : أكرم زيدا لو أحسن ولو أساء ، إلا أنك نبهت بإيجاب إكرامه وإن أساء على أن إكرامه إن أحسن بطريق الأولى . ومنه : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [ النساء : 135 ] . معناه - واللّه أعلم - لو كان الحق على غيركم ولو كان عليكم ، ولكنه ذكر ما هو أعسر عليهم فأوجبه تنبيها على ما هو أسهل وأولى بالوجوب ، فإذا تبين مقتضى الواو في مثل هذه المواضع وجدت آية آل عمران هذه مخالفة لهذا النمط ظاهرا . لأن قوله : وَلَوِ افْتَدى بِهِ . يقتضي شرطا آخر محذوفا يكون هذا المذكور منبها عليه بطريق الأولى . وهذه الحال المذكورة ، وهي حالة افتدائهم بملء الأرض ذهبا ، هي حالة أجدر الحالات بقبول الفدية ، وليس وراءها حالة أخرى تكون أولى بالقبول منها ، فلذلك قدر الزمخشريّ الكلام بمعنى : لن يقبل من أحد منهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا . حتى تبين حالة أخرى يكون الافتداء الخاص بملء الأرض ذهبا هو أولى بالقبول منها ، فإذا انتفى حيث كان أولى
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ، بالجزء الثالث ، صفحة 208 .